الصغيّر أولاد أحمد يردّ على حسن بن عثمان
محاورة فصيحة.. لعقل دارج
بقلم: أولاد أحمد
بعد صوم عن الكتابة، طال أكثر مما تفرضه الشرائع السماوية، تمكن الصديق حسن بن عثمان من كتابة مقال، بأكثر من عنوان، يمجّد فيه حرية الإبداع التي وفرها السابع من نوفمبر، لمبدعي تونس في جميع مجالات الخلق الفني:أدب، مسرح، سينما...الخ { أنظر جريدة الصحافة الجمعة 18 / 9/ 2009 }
ولمّا كان حريصا على أن يأخذ القرّاء مقاله مأخذ الجدّ، وان لا يعتبروه مدحا بلا مبرر وبلا مناسبة، مع أن مبرر المدح يكمن في دنوّ الانتخابات الرئاسية، فقد رأى أن يرفقه بأمثلة حية من الواقع المرئي ومن الواقع اللامرئي..كذلك.. وكأنه إمام جمعة يشتغل مع شرطة الأخلاق الحميدة ومكافحة الشغب !
في مقدمة هذه الأمثلة جاء اسمي وجاء وصفي على النحو التالي:{ "شاعر منشق، متمرد، سليط اللسان والقلم..ومع ذلك فان تونس ـ بن علي لم تغمطه حقه ولم تتعرض له بالأذى إضافة إلى أنها تستلطف تطويحاته السلوكية"..:} ثم جاء بعدي مثال محمود درويش وما ناله من عناية وإكبار في تونس وهو مثال لا أحد باستطاعته الرد عليه سوى محمود درويش نفسه وان كنت أنا،بالذات، مخوّلا بالرد، لأسباب شعرية وأخلاقية وأهلية جمّة، منها أن أهمّ تكريم شعري حضي به درويش، في تونس، هو الذي خصصته به، في مدينتي قفصة وتونس،عام 1995عندما كنت مديرا، بلا منحة وبلا امتيازات وبلا ميزانية لبيت الشعر، الذي تم تعطيل نشاطه من قبل وزير الثقافة آنذاك ومن يعمل تحته، وبجواره، من اتحادات وهياكل ثقافية وأكاديمية ومن قبل أغلب شعراء تونس الذين أرهقوا رفوف الدولة بتقارير هي، في الغالب، أكثر شعرية من قصائدهم" !!
لا أعرف ما إذا كان الصديق حسن بن عثمان قادرا على إدراك أنني أكثر منه فطنة و شطارة في مجال الكتابة وتاريخها، لأفهم بيسر تام، أن مداعبته لي بألفاظ من قبيل"المتمرّد المنشقّ"هي، في الحقيقة، مداعبة للنرسيس قبل مغافلته ثم الإجهاز عليه بنعوت مثل" سليط اللسان والقلم " و" تطويحاته السلوكيــة ". ولأن نعوتا مثل هذه تندرج في خانة قلّة الأدب المحض، وفي حفرة التعامل مع اللغة العربية بعقل دارج، وفي هوّة الغيرة المفضوحة من وضعية كاتب مستقل مثلي، افتكّ مساحة حريته بنفسه وبقلمه، بالرغم من الحروب المنظمة ضده بانتظام طيلة ربع القرن الذي نحن بصدد أدائه كلّ بطريقته.. فإنني أتجاوز هذه النقطة لأبشّره بما لا يسرّه من أمور الدنيا التي يحبها حبّا جمّا ويستكثر علينا أن نعوّضها بالكتابة على الأقل!!
أعمل، هذه الأيام والليالي، على تصفيف مقالاتي التي نشرتها خلال العشرين سنة الفائتة، قصد نشرها في كتب مثلما يفعل اغلب الخلق، غير أن عملي هذا استوجب عملا آخر يصبّ، جملة وتفصيلا،ضد ادعاء الصديق حسن بن عثمان بأن حرية الإبداع مصانة في بلادنا خلال العشرين سنة المنقضية.
هذا العمل الآخر هو رتق، وجبر، وتقويم حوالي تسعين بالمائة مما كتبت، نثرا، من عبث الرقيب بما أكتب:عبث طال العناوين والأسماء والأفعال والتواريخ وتعدّاها إلى الإخلال المروّع ببنية النصوص ومعقوليتها..الأمر الذي دفعني إلى توصيف هذه الجريمة، شعريّا، بالقول:
هذا أنا ..
لا يقرا البوليس نصي في الجريدة ناقصا
بل يقرأ المخطوط حذو مديرها
في الليل قبل توجعي وصدورها
وإذن..
سأكتب بالبريد.. لمن أريد وما أريد!!
أما في أية ظروف كنت أكتب ما أكتب ؟ وأدافع عما أكتب ؟ وأعاقب عما أكتب ؟ وأدعى إلى هذه التظاهرة الثقافية أو تلك فيقع إلغاء اسمي او إلغاء التظاهرة برمتها من قبل بعض الجهات الإدارية
والحزبية ؟ وفي أحسن الأحوال يطلب مني بلطف، إذا تيسر لي الحضور، أن لا أقرا بعض المقاطع الشعرية المخصوصة.؟
وكيف تعمد بعض المجلات والجرائد التونسية إلى إعادة نشر ما كتبت منذ سنوات خلت دون ذكر أي تاريخ ودون استشارتي ودون مكافأتي كذلك..لإيهام الحاكم والمحكوم بأنني لا أزال اكتب على صفحاتها، وكأن الدليل الوحيد على وجود حرية تعبير في تونس هو أن" أولاد أحمد يكتب" مثلما صرّح بذلك مدير مجلة تونسية لإحدى الفضائيات وتبعه في ذلك أفراد الفيلق التونسي للدفاع عن اللاشيء؟!.. فان الصديق حسن بن عثمان يعرف، بما فيه الكفاية، كل صنوف الأذى التي أتعرض لها في هذا المجال بالتحديد..فبأية دوافع يدّعي العكس تماما في مقاله المذكور؟
الحقيقة أنني لا أرى وراءه دوافع عدا استخفافه بالصداقة، من ناحية، وتجاهله المستمر لقيمة كتاباتي والتركيز على ما يبدو له شخصا في شخصي، من ناحية أخرى، ورغبته الجامحة في تقفي خطى بعض الشخوص الذين اختلقت لهم السلطة مقاعد جمهورية في غرف حسينية، ثم تصدقت عليهم برخص لمنشورات ثقافية وأخرى لسيارات أجرة وثالثة لتسهيلات بنكية، مقابل خدماتهم البوليسية الظاهرة للعيان والتي أصبحت محرجة للجهات الرسمية ذاتها لكونها خدمات قذرة تتأسس على طموح شخصي في الترقي لا تسنده أيّة موهبة أدبية أو فكرية، ولا تنبسط له قاعدة نخبوية أو جماهيرية باعتباره فاقدا للمصداقية والوجاهة، من ناحية ثالثة واخيرة. !!
وكون حسن بن عثمان حرّا في أن يصنع ما يشاء ببقية حياته، فانّ ذلك لا يبيح له المناورة في حقول يجهل تربتها وغرسها وما خبّأه المزارعون فيها من هراوات وفؤوس ومحاريث ومساح وأحناش وعقبان وعظام آباء وأمّهات وأجداد.. للدفاع عن أنفسهم ضدّ إغارة الشطّار وجميع أنواع الغزاة والمعمّرين..سواء أكانوا أجانب أو من أهل البلد.
"حذار..حذار فتحت الرماد اللهيب":
هكذا قال أخونا أبو القاسم، أمّا أنا فأقول، للصديق حسن بن عثمان، وللعامّة من كتّاب تونس،وأغلبهم عامّة، وبوّاسو أيادي ، وحملة حقائب، وعبيد لأسياد.. في نظري، إن حرية الإبداع لا توهب من قبل أية سلطة بل يتمّ فرضها بقوة الأمر الواقع بواسطة الكتابة نفسها:
الكتابة / الكتابة وليس الكتابة التي يطمح مقترفوها إلى الترقي في السلالم الإدارية والأسلاك المخابراتية والدهاليز الحزبية، والى اختلاق فضائل ومعجزات للحاكم..لا يصدّقها هو نفسه عندما يطّلع عليها ولسان حاله يقول:
ـ" هذا كذب لا ينطبق على أفعالنا ومع ذلك فنحن نحتاجه في السياسة "
ليس هذا الرد شكوى من أذى لحقنا أو من آخر لم يلحقنا وكنّا به جديرين، ولا هو إصلاح لاسم محمود درويش الذي أصبح عند حسن بن عثمان "محمود درويش السابع من نوفمبر"، بل هو إعادة تركيب لوقائع التاريخ القريب. فعندما يوجه مدير ديوان سابق بوزارة الثقافة سؤالا من هذا القبيل:
ـ " كيف يمكن التخلص من أولاد أحمد"؟
ولا يجد حسن بن عثمان، الجالس قبالته، ما يجيبه به، من شدة الاندهاش والخوف على صديقه، سوى:
ـ " بالسمّ..ولكنني لا أنصحك به يا سيد مدير الديوان "
لا يبقى للشاعر، الناجي من مؤامرات قتل رمزي متكررة ومتواصلة، غير الاعتبار بحكمة المتنبي:
إن القتيل مضرّجا بدموعه مثل القتيل مضرّجا بدمائه
عند هذ الحد تنتفي كل صداقة زائدة عن اللزوم بل ينتفي لزوم الصداقة ذاتها إذ لا صديق للكاتب سوى.. سلاحه.
رادس الغابة / الأحد / عيد الفطر/20 /09 /2009
نشر بجريدة الطريق الجديد" العدد 147 / 26 /09 /2009
1 commentaire:
يا الصغير، احسن رد تكتب حاجة جديدة، حاجة متاع فرد المرّة، حتى بالدارجة، بالفلاقي، وانسى الصداقات الي ماعادشي تجدْ حتى على عصافر باب بحر، و رايك اصلح
Enregistrer un commentaire