سألني صديقي الذي يكره الحديث في السّياسة، قال: لماذا تتوافد قوافل كسر الحصار المفروض على غزّة برّا وبحرا من مختلف بقاع العالم، إلاّ من العالم العربي؟ ولماذا تعرّض أكثر من مواطنة ومواطن أوروبي حياتهم للخطر، وفيهم من مات ومن جرح...، ورغم ذلك يواصلون سعيهم من أجل كسر ذلك الحصار، ولا يقوم بمثل ذلك العمل الإنساني السّلمي مواطنات ومواطنون عرب؟
أجبت صديقي وقلت: الشعوب العربيّة محاصرة كأشقّائهم في غزّة، لذلك لا يسيّرون قوافل كسر الحصار على غزّة. فالعمل الإنساني العربي يصنّف إرهابا، ونظم الحكم العربيّة ملتزمة دوليّا بمحاربة الإرهاب!؟
قال صديقي: إنّي أحسد شعب فلسطين في غزّة وغير غزّة، لأنّ لهم عدوّا يثورون ضدّ بطشه واستبداده ولا يخيفهم إجرامه. أمّا نحن بقيّة شعب العرب...؟؟ فإن كانوا يموتون من أجل الحرّية، فإنّنا نموت كمدا...! ؟
"عمّار 404" والأنترنات والمتأرنتين
تتواصل المعركة بين المتأرنتين و "عمّار 404" الرّقيب الإلكتروني الذي لم يترك موقعا إلاّ ضربه ولا حسابا افتراضيّا إلا أغلقه، وأصبح كسقر التي لا تبقي ولا تذر!!! ؟؟؟
شراسة "عمّار 404" قابلتها انتفاضة شبابية سلمية، تطالب بحقّها في الإبحار في الأنترنات، تمثلت في المظاهرة الإفتراضيّة وبرمجة مظاهرة سلمية ليوم الجمعة 22 ماي 2010 أمام وزارة تكنولوجيات الإتصال، للمطالبة بردع "عمّار 404 باشي"، الذي من المفروض أن يلقى به في سوق الخردة بـ "اليهودية"، بعد أن تسبّب في تلويث البيئة الأنترناتية.
إنّ التغلّب على "عمّار 404" ليس بالصّعب على المتأرنتين، بما أن الوسائل التّقنية متوفّرة، حيث أصبح كلّ متأرنت متسلّحا بمفتاح "بروكسي"، يمكّنه من الإبحار كما يشاء، وكتابة ونشر ما يريد. لكن برمجة مظاهرة سلميّة رمزيّة، تمّت أم لم تتم، إنّما هي رسالة مفادها أنّ الرّقابة الإلكترونيّة، قد تكون لها نتائج عكسيّة، تفوق ما يمكن أن يتصوّره "عمّار404 باشي"؟؟؟
"يا مزيّن من برّا"
خصّصت حلقة الثلاثاء 18 ماي 2010 من برنامجد "الإتجاه المعاكس" الذي تبثّه قناة الجزيرة للحديث عن اتّحاد الصّحفيين العرب، لكن الحديث أو الحوار أو النّقاش، أخذ منحى آخر مسّ بلادنا. وذلك الكلام عن تونس لا يمكن أن يسرّ التوانسة... واللّوم هنا لا يمكن أن يلقى على قناة "الجزيرة"، بل على من أرادوا تسويق تلك الصّورة عن بلادنا، أولئك الّذين يصرّون على مناقضة ما ورد في خطابات رئيس الدّولة عن الإعلام وحرّية الصّحافة، ونصّبوا أنفسهم أوصياء على تلميع صورة تونس في الخارج. هؤلاء مازالوا لم يفهموا أنّ صورتنا في الخارج لا يمكن أن تكون لامعة، إلا إذا كانت لامعة من الدّاخل. هؤلاء يبدو أنّهم لم يسمعوا بمثلنا الشّعبي الّذي يقول "يا مزيّن من برّا، شنيّة حوالك من داخل؟"
همسة
الخصخصة والخصاصة
شملت الخصخصة كلّ المؤسّسات الإقتصاديّة ذات الإيراد المالي العالي والثّابت، حيث تحوّلت إلى مؤسّسات خاصّة، تصبّ مالا كثيرا في جيوب الخاصّة، بعد أن كانت تصبه في خزينة العامّة.
الخصخصة متواصلة وطوفانها قد يجرف بقيّة المؤسّسات العامّة الحيويّة والرّبحيّة... ويبدو أنّ أحدا لم يضع في حسابه ما قد تسبّبه الخصخصة من ارتفاع في نسبة الخصاصة! ؟
جريدة "الطّريق الجديد" العدد 181 بتاريخ 22 /05 /2010
تقرير واقع الحُريّات الصّحفيّة لسنة 2010...وغُيّبت عنه أشياء
مؤشّرات بارزة طبعت "احتفالات" هذه السنة باليوم العالمي لحُريّة الصّحافة : ثلاث اعتصامات خاضها الصّحفيون في مواقع العمل مطالبة بتسوية وضعيّاتهم المهنيّة، وحالات تململ احتجاجي برزت في عديد المؤسسات التي تشهد انتهاكات صارخة للحقوق الماديّة والمعنويّة للصّحفيين، ومقالات كُتبت بمُناسبة اليوم العالمي لحرية الصّحافة لكنّها مُنعت من النشر في الصُّحف المكتوبة، فحولها أصحابها الى الفضاء الالكتروني كي ترى النور..وتقرير حول واقع الحُريات الصّحفيّة وُلد بعد مخاض عسير وسجّلت صفحاته بعض أنصاف الحقائق وكثيرا من الالتفافات حول مسائل جوهريّة تتعلّق بواقع حريّة الصّحافة في البلاد ومشاغل أصحاب المهنة. انتظر الجميع يوم 3 ماي 2010 صدور أوّل تقرير لواقع الحريّات الصحفيّة يصدر عن المكتب المنبثق عن مؤتمر 15 أوت 2009 للنقابة الوطنيّة للصّحفيين وما سيحمله من تشخيص لواقع الحُريات والممارسة المهنيّة داخل القطاع، وقد تمّ توزيع هذا التقرير دون عقد ندوة صحفيّة لتقديمه تتيح للجميع مناقشة فحوى التقرير والوقوف على مواطن القوّة والوهن فيه تكريسا لما ورد في مُقدّمة التقرير من الاقرار بأن "ليس أقدر من الصّحافيين التونسيين في اطار نقابتهم من تشخيص واقع القطاع والمساهمة في ترسيخ صحافة وطنيّة تليق ببلادنا وتعبر عن واقع مجتمعنا.."
** الاطار السياسي والتشريعي : تعثّر اللّسان
المآخذ حول تقرير هذه السنة انطلقت بالجزء الأوّل المخصص لتشخيص المناخ السياسي الذي حفّ بصدور التقرير، بما حمله من مُغالاة في التنويه والانحياز الواضح إلى النّظام الحاكم وطريقة تعاطيه مع ملف الإعلام. ولئن تضمن التقرير حقائق تتعلّق باهتمام الخطاب الرئاسي بتطوير واقع الإعلام ورفع المحظورات والعراقيل، والنهوض بأوضاع أبناء المهنة ،فقد عجز مُعدو التقرير عن إبراز المفارقة الصارخة بين الخطاب الرّئاسي المُتطوّر في هذا المجال واداء الهياكل الُمشرفة على تسيير القطاع التي يعمل الكثير منها على تأبيد الانغلاق الإعلامي واستمرار تخبّط أكثر من 80 بالمائة من مُنخرطي النقابة في مشاكلهم الماديّة ووضعياتهم المهنيّة الهشّة. فالى جانب الإجراءات التضييقيّة على المُمارسة المهنيّة التي تتخذها وزارة الإشراف خلال الفترة الأخيرة والمتعلقة بتعقيد إجراءات الترخيص في التصوير التلفزي، والعمل على احتكار صلاحيّات بقية المؤسسات المُشرفة على القطاع والانهماك في العمل الدّعائي المُتعلق بـ"تحسين صورة تونس في الخارج" عوض التركيز على الوضع الدّاخلي، إضافة إلى كل ما سبق، فقد أطنب التقرير في التنويه بدور المجلس الأعلى للاتّصال وتدعيم صلاحياته رغم الانتقادات العديدة الموجّهة لهذه المؤسسة والمُتعلقة بمحدودية دورها وضبابية المهام الموكولة لها، إلى جانب صمتها المُطبق عن عديد القضايا والتجاوزات التي يشهدها القطاع. كما غاب عن التقرير أي انتقاد للوكالة التونسيّة للاتصال الخارجي التي تحتكر توزيع الإشهار العمومي على المؤسسات الإعلامية وتعتمده سلاحا لإخضاع هذه المؤسسات وضمان التزامها بخطاب يساير الخطاب الرسمي ويغرق في الدّعائيّة الفجّة، فضلا عن إغداقها لاعتمادات مالية ضخمة تُمثّل جزءا من المال العام لتمويل النسيج الدّعائي للنظام في الداخل والخارج من صحفيين ومؤسسات إعلامية ومنظّمات، دون إغفال ضبابيّة الوضع القانوني لهذه المؤسسة ومُخالفة وضعها لما نصّ عليه قانون إحداثها وتعرّض التقرير بصفة مُقتضبة للهنات التشريعيّة المتعلقة بتنظيم القطاع مثل مُراجعة فصول مجلة الصحافة وإلغاء عقوبة السجن مُغفلا عديد المسائل الهامة مثل الدعوة إلى سن تشريع يضمن حق الصحافي في الوصول إلى مصادر الخبر وتجريم كل من يعرقل أدائه لمهمته، فظلا عن احتكار وزارة الداخليّة لمهمة منح تراخيص إحداث المؤسسات الإعلامية للخواص ومخالفة الإجراءات المنصوص عليها في الفصل 13 من مجلة الصحافة ، حيث يُسجّل امتناع وزارة الداخليّة عن تسلم ملفات الإعلام ومنح الوصل. والتعامل الانتقائي مع مطالب الباعثين (لم تشهد السنوات الأخيرة منح أي ترخيص لبعث صحيفة الى من يتمتعون باختصاصات في مجال الاعلام، مقابل منحه لمن لا صلة لهم بالقطاع) أمّا بخصوص منح التراخيص للتلفزات فقد تطرق التقرير باحتشام إلى ضرورة المُسارعة بمسألة إصدار كراس شروط لبعث المؤسسات المرئيّة وبوقف اليّة الهبة التي أدت إلى إطلاق تلفزتين واذاعتين على ملك الخواص في ظروف غامضة ودون التنصيص على طبيعة الإجراءات القانونية المتبعة من طرف الباعثين، بما يضمن شفافيّة المنافسة وتكافؤ الفرص الا أن التقرير قد تغافل عن مسألة ضرورة وضع قانون أساسي ينظّم عمل المؤسسات المرئيّة والمسموعة ويلزمها باحترام المواثيق والتشريعات القانونية والأخلاقية في صياغة مضامينها وتوجّهاتها. ويُسجّل كذلك تعرّض التقرير إلى مسألة عدم احترام قانون تشغيل الصحفيين من طرف أصحاب المؤسسات والدعوة الى تفعيل قوانين الشغل "المهجورة" والاتفاقية القطاعية المُشتركة المُتعلقة بالقطاع والتأكيد على ضرورة إصدار اتّفاقية مشتركة خاصة بالصحفيين تؤطّر وضعهم المادي والمهني للصّحافي. أما بخصوص إسناد بطاقة الصحافي المحترف فقد اقتصر تناول التقرير لهذه المسألة على الدعوة الى مراجعة القانون المنظم لمنح بطاقة الصحافي المحترف دون التمسّك بحق النقابة الوطنية للصحفيين التونسيين في التحكم في مداخل المهنة وإسناد صفة الصحافي المحترف لمن يستحق من أهل القطاع، وايقاف نزيف توزيع البطاقة على البعض ممن لا يمُتّون للمهنة بصلة، وهو ما يتعارض مع الدعوة الجريئة للتقرير بـ "تمسّك الصّحافيين التونسيين بمشروع بعث "اتّحاد الصّحافيين التونسيين"
** نقابة خدمات وحالات اجتماعيّة
كما كان متوقّعا أطنب التقرير الذي أنجزه مكتب 15 أوت للنقابة الوطنيّة للصحفيين التونسيين في تعداد واستعراض الخدمات التي "حصدها" المكتب لفائدة الصحفيين منذ مؤتمر 15 أوت والمتعلقة بخدمات الهاتف والتخفيض في معاليم النقل الجوّي ومُحاولة النفخ في هذه المسائل بما يعطي انطباعا بأن مشاغل الصحفيين تتعلق أساسا بالجانب الخدماتي الاجتماعي وهاجس السّفر أسوة ببقيّة العاملين "بالسّاعد" وهي مُحاولة لتغطية عجز المكتب الحالي على تحقيق نتائج مُنتظرة في مجال تسوية وضعيّة العاملين في القطاع والتخفيف من معاناتهم الماديّة، إلى جانب التخفيف من الرقابة المُجحفة المفروضة على المضامين الإعلامية.
** الطرد والانتهاكات والوضع داخل المؤسسات : نصف الحقيقة
رغم ما يبدو على التقرير ظاهريّا من محاولة تقييم الوضع المادي والمهني السائد في المؤسسات الإعلامية المكتوبة والمرئيّة والمسموعة، فقد تميّز التشخيص بقدر كبير من التعميم والتورية إضافة إلى الانتقائيّة في جرعات النقد الموجّهة لمؤسسات دون أخرى وهو ما يتوضّح من خلال التالي:
-- مؤسستي الإذاعة والتلفزة واعتصام صحافيي الإذاعة الثقافيّة.
بقدر ما حمله التقرير من وضوح في الجانب المتعلق بالدعوة إلى الالتزام بما تضمنه أمر رئيس الدولة الصادر في 28 جانفي 2009 والقاضي بتسوية أوضاع المتعاونين في المؤسستين، وما شهدته عملية تطبيق هذا الأمر من تمطيط وغموض، بقدر ما تجنب معدو التقرير وضع الإصبع على الدّاء، والتطرّق بوضوح إلى عملية تلاعب مقصود بمقتضيات الأمر وتعمد استحداث عائق أقدمية 4 سنوات أمام صحفيي الإذاعة الثقافيّة وغيرهم من المُلتحقين حديثا بالمؤسسة، وتعمّد اقصاء الزّميلة حنان بلعيفة العاملة في إذاعة الشّباب من قرار التسوية رغم التحاقها بالمؤسسة منذ 1997 وذلك بسبب تقارير مُضللة من طرف مديرتها المباشرة في العمل، والتي تقدّم ضدّها صحفيو اذاعة الشباب بشكوى الى وزير الاتّصال بعد تسببها في تعكير مُناخ العمل في المؤسسة وتعمدها الاعتداء على الأعوان. التلاعب بأمر رئيس الدولة بإقصاء البعض وتمتيع البعض الاخر من الدّخلاء على المؤسسة (بعض مُنخرطي اتّحاد الكُتاب التونسيين...) بهذا الاجراء، دفع بأكثر من 60 صحفي إلى الاعتصام بمقرّ مؤسسة التلفزة يوم 3 ماي 2010 للمطالبة بإصدار القائمة التي تضم الدفعة الثانية من الأعوان المتمتعين بالتسوية . وقد توّج الاعتصام باصدار القائمة مساء ذلك اليوم ليُفاجأ صحفيو إذاعة تونس الثّقافيّة بإقصائهم من الإجراء. هذا الاقصاء دفع بصحافيّات وصحافيي الإذاعة المذكورة إلى إعلان اعتصام في مقرّ النقابة الوطنيّة للصحفيين التونسيين يوم 4 ماي 2010 مطالبين بحقّهم في التمتع بإجراء تسوية الوضعيّة المهنيّة الذي نص عليه أمر رئيس الدولة، على اعتبار أنّ شرط الأربع سنوات أقدمية لا يجب أن ينسحب عليهم لأنّ الإذاعة لم يمض بعد على تأسيسها أربع سنوات، كما ذكّر المعتصمون بوضعيّتهم المهنية والمادية المُتدهورة باعتبارهم حاملين لصفة العاملين بنظام القطعة والذي لا يتجاوز فيه دخل الصحافي في أقصى الحالات 200 دينارا في الشهر. وقد تم تعليق الاعتصام بناء على "تطمينات" من طرف "مكتب 15 أوت" لنقابة الصحفيين.
-- الصحفيّون المطرودون: لماذا الانتقاء؟
استعرض الجزء الأهم من قسم التقرير المتعلّق بحالات الطرد التي شهدتها المؤسسات الإعلامية والتي لم تسوّ بعد ، حالة الصحافية نجوى الرحوي المديرة السابقة لقناة حنبعل، والتي ذكر التقرير أن باعث القناة تعمد طردها تعسّفيا، وقد استغرب البعض من التطرّق إلى هذه الحالة، رغم ثبوت عمليّة الطرد، على اعتبار أن السيدة نجوى الرحوي تشغل وظيفة ادارية ولا تصنّف ضمن قائمة "الأعضاء العاملين" التي تختص النقابة بالدّفاع عنهم. كما أكّد بعض العاملين في قناة حنّبعل أنّ هذه المُديرة كانت بدورها تُمعن في المعاملة السيئة للأعوان مما تسبب في طرد الكثير منهم. مقابل ذلك أغفل التقرير حالات طرد أخرى شهدتها بعض المؤسسات على غرار طرد الزميلة "هدى الطرابلسي" من دار الصّباح في شهر أوت 2009، والإيقاف الفُجئي لتعاقد الزميلة "حنان قُم" مع وكالة تونس افريقيا للأنباء واجبار ادارة صحيفة "الخبير" بعض الزّميلات على التوقّف عن العمل بعد إشاعة جوّ من الاحتقان والاستفزازات الموجّهة ضد كُلّ ترغب الإدارة في إيقاف تعاقدهم معها على غرار الزميلة ايمان حامدي التي غادرت المؤسسة يوم 15 نوفمبر 2009 وقد سبقها في ذلك عدد من الزميلات، هذا فضلا عن الاستغناء المُفاجئ عن خدمات عدد من الصّحفيين العاملين في الصحيفة الالكترونيّة "التونسية" بصفة تعسّفيّة على غرار حالة الزّميل "وجدي بن مسعود"... وتواصل إدارة صحيفة الخبير الضغط على بعض صحفييها لإجبارهم على الاستقالة مخافة من مطالبتهم بتسوية الوضعيات بعد أكثر من 4 سنوات على التعاقد، كما تتواصل المماطلة في صرف الرواتب بصورة مُتأخّرة للزملاء العاملين وحرمانهم من جميع المنح والامتيازات المهنيّة، رغم الإضراب الذي خاضه صحفيوها منذ شهرين وتعهّد خلاله صاحب الجريدة بدفع جميع مُستحقات الصّحفيين واحترام القانون.
أثار توصيف التقرير للزاد البشري الموجود في "جريدة الصحافة بـ"العبدء الثقيل الذي يهدد توازنات المؤسسة" حفيظة بعض الزملاء العاملين في الصّحيفة على اعتبار أن المسألة تقتصر على بعض الأسماء المُسجّلة في الصّحيفة والتي لا تُباشر مهامها بانتظام وأن هناك مُفارقة صارخة بين التأشير إلى الانتدابات العشوائيّة التي أغرقت "الصّحافة" (أكثر من 12 متعاون خارجي يعملون بالقطعة) وبين الإقرار بوجود عبء بشري يُثقل كاهل دار "لابراس" وقد واصلت إدارة المؤسسة تلكّؤها في تسوية ملف المُتعاونين الذين تمّ انتداب أغلبهم منذ سنوات عديدة، وتعددت المؤشّرات المُرجّحة لنية الاستغناء عنهم بعد أن تم حرمانهم مؤخّرا من استعمال المرافق المُتاحة لصحافيي المؤسسة (السيارة والاستعانة بالمصوّر المكاتب والحواسيب) رغم أنهم ينجزون أغلب العمل الميداني الذي يؤثث مُحتوى الصّحيفة، كما تعمل الادارة على التخفيض في قيمة "البيجة" التي يتمتعون بها وهو ما زاد في تدهور وضعياتهم الماديّة.
** قناة حنّبعل وضع خاص جدّا
أمعن تقرير 3 ماي 2010 في توجيه الانتقادات إلى إدارة قناة حنّبعل الخاصة والمُتعلقة أساسا بانتهاك الحقوق المادية والمعنويّة للصحفيين والتقنيين (مواصلة حملات الطرد التعسّفي، وعقود الشغل غير القانونيّة، والساعات الإضافية). وقد تحصّلت الطريق الجديد على نسخة من "عقد اسداء الخدمات" الذي تُبرمه إدارة القناة مع بعض الصحافيين المتعاقدين معها. ففضلا عن عدم إمضاء العقد من طرف المؤجّر وعدم تسليم نسخة للأجير، إضافة إلى احتفاظ المشغل بحق فسخ العقد متى شاء ودون أن يطالبه الأجير بأي مستحقات ماليّة تذكر، فقد حمل العقد في أحد فصوله بندا يتعلق بتغريم الأجير بمبالغ مالية طائلة تبلغ 20 ألف دينار اذا خالف أحد فصول العقد المُبرم بين الطرفين. وهو الفصل الذي يتنافى مع جميع التشريعات والمواثيق التي تضبط صيغ التعاقد بين الأجراء والمؤجّرين. كما يعاني صحفيو القناة من انتهاك صارخ في حقوقهم الأدبية بسبب حرمان الإدارة لعدد منهم من مُجرّد إدراج أسمائهم على التقارير والروبرتاجات المنجزة.
** الحدث ، كل الناس وأخبار الجمهوريّة : حصانة غامضة.
تطرّق تقرير 3 ماي 2010 الى الوضع المهني والمادي وقيّم محتوى وأداء أغلب الصّحف المكتوبة باستثناء صحيفتي "الحدث"و"كلّ الناس" التي تصدرهما دار "الحدث"، فقد صمت التقرير عن الأوضاع المادية والمهنية للصحفيين بهذه المؤسسات، الى جانب عدم خوضه فيما تثيره بعض المقلات الصادرة في هذه الصحف من انتقادات واسعة حول "تعديها على أخلاقيات المهنة" و"ارتكابها لجنح الثلب والشتم"، وهو ما دفع خلال الأشهر الماضية برئيس لجنة أخلاقيات المهنة الى إصدار بيان ينتقد فيه مُمارسات هذه الصحف، وقد تردد حينها أن صاحب البيان قد وُجّهت له مساءلة لأنّ نصّ البيان لا يتوافق ورؤية "قيادة النقابة". هذا الاغفال الواضح للتطرق الى هذه الصحف دفع البعض إلى التساؤل حول مصدر الحصانة التي يتمتّع يها أصحاب هذه المؤسسات، فيما اعتبر البعض الآخر أن صمت "مكتب 15 أوت" عن ممارسات هذه الصحف مردّه الخشية من انتقاداتها اللاذعة المتوقعة كرد فعل عن اي انتقاد يوجّه اليها. هذا ويُذكر ان التقرير قد أغفل التطرق كذلك الى صحيفة "أخبار الجمهوريّة" رغم أن الوضع المادي والمهني داخلها لا يختلف كثيرا عن وضع بعض المؤسسات التي تناولها التقرير. التقرير اتّسم كذلك بالُمبالغة في التنويه بـ"النقلة النوعيّة" التي شهدتها دار الصباح "على جميع المستويات" والتأكيد على أن انتقال ملكيتها مثّل منعرجا كبيرا في الأوضاع داخلها، رغم أن الواقع يؤكّد أن الأوضاع المادية والمهنيّة للصحفيين وخاصة المُنتسبين الجدد بعد انتقال الملكيّة، لم تشهد أي تسوية تذكر رغم الإعلانات المتكررة عن هذا الإجراء المُرتقب. كما يُسجّل كذلك الاحتشام الشديد الذي تناول به التقرير مسألة احتكار شركة "كاكتيس" لسوق الانتاج التلفزي في تونس ونهلها من الاعتمادات الضخمة للاشهار في مؤسسة التلفزة التونسية بصفة تخالف جميع التشريعات التي تضبط ذلك.
** لا انتهاكات تُذكر !!
أنكر تقرير 3 ماي 2010 بصيغة إقرار واضحة بأن الفترة التي شهدت مؤتمر 15 أوت 2009 لم تشهد أيّ اعتقالات أو انتهاكات أو مضايقات بحق الصّحفيين المُحترفين أو أي ضغوط "من شأنها أن تشكّل انتهاكا واضحا لحقوق الصّحافيين"، ورغم إمكانية طرح جميع الحالات التي توصف بالانتهاكات والمتعلقة بغير المُنخرطين في النقابة، فقد تعمد التقرير عدم التأشير إلى التضييقات التي طالت الزميل الصحافي زياد الهاني خلال الفترة الأخيرة والتي تراوحت بين الاعتداء بالعنف ومحاولة افتعال مُلاحقة قضائية ضدّه بعد الاعتداء الذي تعرض له أمام مقرّ عمله قبل شهر إضافة إلى منعه من التظاهر أمام وزارة الاتصال يوم 3 ماي 2010 مُطالبة بحريّة الصّحافة، التي يجب أن يلتزم أي مكتب لنقابة الصّحفيين بالدّفاع عنها، الأمر الذي دفعه الى الاعتصام أمام القصر الرئاسي بقرطاج يوم 3 ماي 2010. كما أغفل التقرير ذكر التضييقات التي تعرّض لها الزّميل أيمن الرزقي والتي حُجزت على إثرها مُعدّات عمله.
** مقالات مُنعت من النشر في اليوم العالمي لحُريّة الصّحافة
"الرّسالة وصلت" عنوان مقال للزميل الصّحافي عامر بوعزّة نوّه فيه بمبادرة حضور الوزير السيد زهيّر المظفّر في برنامج الحق معاك معتبرا أنّ ذلك "ينمّ عن الرغبة العميقة في فقء دُمّل الإعلام ومعالجته بالمطهرات والمضادات الحيوية لا بالمسكنات والمخدرات" كما شبّه الزميل بوعزي في مقاله الاعلام التونسي بالرجل المريض بسبب "عجزه عن معايشة الحراك السياسي والاجتماعي والثقافي..." مُعتبرا "أنّ القبضة الحديدية التي تَـخْـنُق حريةَ الصحافة وتمنع عنها نور الشمس لا يمتلكها رجل واحد وإنما هي القناعُ الواقي الذي يرتديه كثيرون ممّن يعتلون منصّة السلطة حتى من ذوي الأدوار الصغيرة". ونوّه الزميل بوعزة في مقاله بالخطاب الرئاسي الذي ما انفك يشجّع على الانفتاح الإعلامي معتبرا أنّ هذا الخطاب قد "ظلّ رهين تسويفات كثيرة ووعودٍ ومماطلاتٍ تبذلها جهات أخرى ما يدلّ بلا شكّ على حجم المغانم التي يجنيها البعض من ضمور الآلة الإعلامية وسكوتها وانصرافها عن شواغل المجتمـع إلى الهوامش". هذا المقال الذي كتبه الزميل عامر بوعزة وحاول نشره يوم 3 ماي 2010 امتنعت الصّحيفة اليوميّة التي أُرسله إليها عن نشره، وهو ما دفع الزميل بوعزي الى القول أن الصحيفة قد امتنعت عن نشر المقال " دون أن تكون الأسباب واضحة، فإما أن يكون في النص بعض الأفكار التي لا تنسجم مع توجهات الجريدة أو أن يكون مستوى هذا المقال ضعيفا بما لا يسمح بنشره حتى في بريد القراء". مقال اخر كتب بمناسبة يوم 3 ماي 2010 ولم ير النور، وهو مقال الأستاذ عبد الكريم الحيزاوي الباحث في علوم الاتصال، والذي تطرّق فيه إلى التشريعات التي تكفل حقّ الوصول إلى مصادر الخبر وعدم وجود تشريع تونسي يكفل ذلك وهو ما دفع الصحيفة التي توجّه اليها صاحب المقال الى الامتناع عن نشره معتبرة أن هناك نصوصا قانونيّة تنص صراحة على "حق الصحفي في الوصول إلى مصادر الخبر".
انتهى
توفيق العيّاشي/ الطريق الجديد 179 من 8 الى 14 ماي 2010
أحمد إبراهيم الأمين الأول لحركة التجديد في حديث جرئ وصريح لـ"السياسيّة":
الانتماء إلى المعارضة يفترض حدا أدنى من الاستقلالية إزاء السلطة ...والانتخابات الحالية ستُنتجُ نفس المشهد السياسي المألوف
الانتخابات يجب أن تخرج عن منطق الثنائية بين "السلطة" و"المعارضة" إلى المنطق المحلي بعيدا عن الاستعراضات الحزبية المصطنعة والتشنجات
هناك ضعف حقيقي وعجز لدى أحزاب المعارضة الجدية التي عليها أن تحسن أداءها وتتجاوز انقساماتها وتبني معا حركة ديمقراطية وتقدمية
مرصد الانتخابات لرصد المشهد الانتخابي ولكن ذلك لا يمنع أعضاءه من القيام بمجهودات إيجابية لحل بعض الإشكاليات
دعمنا للقائمات المواطنية المستقلّة تعبير عن تمسكنا بثقافة المشاركة في الشأن العام وبه رسالة ودعوة إلى تجاوز أجواء التوتر
نجدّد دعوتنا إلى حوار وطني حر ومسؤول يمكن من التوافق على الإصلاحات الجوهرية الكفيلة بتحقيق الانتقال الفعلي إلى نظام ديمقراطي
في إطار سلسلة الأحاديث التي درجت "السياسية" على إجرائها مع قيادات الأحزاب والوجوه السياسية في البلاد ، تلتقى "السياسيّة" بالستاذ أحمد إبراهيم الأمين الأوّل لحركة التجديد الّذي قدّم قراءة للوضع السياسي وعلاقة حركته بالسلطة وببقية احزاب المعارضة مقترحا تصورات بهدف ما قال عنه أنّه انتقالي لمشهد ديمقراطي حقيقي وفاعل، في ما يلي نص الحديث مع أحمد إبرهيم الّذي أجراه سمير الجرّاي:
ما رأيكم في الجو السياسي العام الذي تعيشه البلاد حاليا ومدى تأثيره على الانتخابات البلدية سلبيا أو إيجابيا؟
تأتي الانتخابات البلدية بعد ستة أشهر أو أكثر بقليل من الانتخابات الرئاسية والتشريعية، التي لم تكن انتخابات مختلفة جوهريا عن سابقاتها، ففوتت على البلاد فرصة تطوير المشهد السياسي في اتجاه تكريس التعددية على أرض الواقع وإحلال الانفتاح على الرأي المخالف مكان الانفراد بالرأي والقرار.
لذلك بقي الانغلاق السمة الطاغية على الوضع السياسي، كما بقي التعاطي السائد مع الانتخابات ودورها وطريقة تنظيمها هو هو على كافة الأصعدة، في التصور والممارسة، وذلك باعتبار العملية الانتخابية أساسا كوسيلة شبه آلية لإعادة تزكية سياسة السلطة وهيمنة الحزب الحاكم ووسيلة لإعادة إنتاج الخارطة السياسية والصورة المرسومة مسبقا لموازين القوى التي تريد السلطة إبرازها بقطع النظر عن الحجم الحقيقي لمختلف مكوناتها وفي منأى عن نبض الشارع والاتجاهات الفعلية للرأي العام .
كل هذا له تأثيره السلبي الواضح، فلم يكن وليس من شأنه أن يشجع في شيء مشاركة المواطنين واهتمامهم بالشأن العام، كما لا يوفر ظروف المنافسة الحقيقية وإمكانية الاختيار الحر، الأمر الذي سوف لن يجعل مع الأسف من هذه الانتخابات محطة سياسية هامة بل تكرارا للروتين المعهود وترسيخا للركود في الأغلبية الساحقة من المدن.
ما هو تقييمكم لمشاركة المعارضة في الانتخابات البلدية؟
في رأيي أن السؤال الأهم هو مدى مشاركة المواطنات والمواطنين والفسحة المتروكة لهم ليعبروا بحرية عن تقييمهم لأداء المجالس البلدية المتخلية وعن رأيهم في أقوم السبل لتسيير البلديات في صالح المتساكنين، وليختاروا بحرية بين قائمات حاملة لبرامج مختلفة حقا وبينها تنافس فعلي.
فهل المفهوم السائد للانتخابات الذي كنت بصدد شرحه وهل المناخ العام يوفر فرصة حقيقية لهذه المشاركة المواطنية؟
قطعا لا...
ثم هل خطت البلاد خطوات ملموسة في اتجاه الترسيخ الفعلي للتعددية الذي يسمح للأحزاب بأن تتشكل بصفة مستقلة على أساس رؤى وبرامج واضحة وترمي بجذورها في المجتمع وتنمو ويصلب عودها بصفة طبيعية وفي علاقة حرة بالمواطنين، حتى يكون ثمة معنى للحديث عن ثنائية محلية "سلطة-معارضة" موجودة فعلا في جميع أو في أغلب المدن والقرى؟؟
مرة أخرى الجواب لا يمكن إلا أن يكون بالسلب ...
كل الظواهر السلبية المزمنة التي يعاني منها المشهد السياسي جراء الانفراد بالرأي والقرار وهيمنة عقلية الحزب الواحد وغلق الإعلام العمومي في وجه المعارضة والتطير من الرأي المخالف حتى في أبسط الأمور قد تراكمت لتفضي إلى مشهد سياسي اختلطت فيه المفاهيم إلى حد أن كلمة "معارضة" التي تطلق في وسائل الإعلام أصبحت منذ زمن طويل اسما على غير مسمى.
لكل ذلك كانت الطريقة الأنسب للقطع مع الروتين المزمن الانطلاق من أن خصوصية المسائل البلدية وحقيقة الرهانات في هذه الانتخابات لا ينبغي مقاربتها في إطار منطق الثنائية بين "السلطة" و"المعارضة" بل في إطار منطق يبقى أساسا منطقا محليا بعيدا عن الاستعراضات الحزبية المصطنعة والتشنجات التي لا مبرر لها، فيشجع التنافس بين مقترحات الحلول لمعالجة القضايا المحلية دون اشتراط إقحامها تحت رايات حزبية معينة ويتيح للمواطنين على اختلاف حساسياتهم فرصة المسك بزمام المبادرة في مدنهم وفرصة المشاركة الفعلية في تسيير شؤونها... هذا ما لم يتم، مما أفرز مشهدا "انتخابيا" متحكما في تفاصيله يكاد يصل فيه عدد البلديات التي ليس فيها إلا قائمة "التجمع" إلى نسبة ثلاثة أرباع، بحيث يبدو هدف تحقيق وجود التعددية – ولو بشكلها المبتور- في كل المجالس البلدية غير قابل للتحقيق قبل عقدين أو أكثر...ناهيك عن إمكانية انتخاب رؤساء بلديات لا ينتمون للحزب الحاكم.
لماذا لم تتمكن القائمات المستقلة التي تساندها حركة التجديد وحلفاؤها من التقدم في أكثر من 14 بلدية من ضمن 264؟ هل هو تقصير من هذه القائمات أم ثمة أسباب أخرى؟
أولا اسمح لي بالتذكير بأننا، بقرارنا عدم التقدم لهذه الانتخابات في إطار حزبي أو ضمن تحالف حزبي، قد أردنا التعبير عن تحفظ سياسي إزاء المفهوم السائد للانتخابات والمنظومة الانتخابية المعتمدة والممارسات السياسية التي رأينا كيف فوتت على البلاد في الانتخابات الرئاسية والتشريعية فرصة ثمينة للنهوض بالمشهد السياسي في اتجاه إقرار التعددية والانفتاح. وبقرارنا تشجيع ودعم القائمات التي تتقدم في إطار مبادرات مواطنية متنوعة قاسمها المشترك توجهها الديمقراطي واستقلالية قرارها إزاءنا وإزاء السلطة، أردنا التعبير عن تمسكنا بثقافة المشاركة في الشأن العام مهما كانت الصعوبات، في نفس الوقت الذي أردنا توجيه رسالة هي بمثابة دعوة إلى تجاوز أجواء التوتر وإحلال مناخ ولو نسبي من الانفراج والانفتاح اعتقدنا أن طبيعة الرهانات البلدية قد تكون ملائمة لإقراره.
لكن هذا التمشي الرصين والمسؤول لم يجد الصدى الإيجابي المطلوب، فاصطدمت محاولات تشكيل وتقديم قائمات للمبادرة المواطنية المستقلة-التي قام بها مناضلون ومواطنون في عشرات المدن- بالعقلية المعتادة والممارسات القديمة.
ما هي أهم العراقيل التي تقف وراء هذا الوضع؟
عموما قد عوملت محاولات تشكيل قائمات جدية التي وقعت - رغم انتشار أجواء اليأس بسبب الأثر السلبي الذي تركته انتخابات أكتوبر 2009 – عوملت تلك المحاولات وكأن القائمين بها كانوا يعدون لفعلة مشينة نكراء، فتعددت الضغوط والتهديدات اللاقانونية على الراغبين في الترشح وعلى عائلاتهم من طرف بعض سجناء عقلية الحزب الواحد، وذلك في ظل سكوت و أحيانا تواطؤ بعض السلط المحلية والجهوية، فأدى ذلك إلى إجهاض عدد كبير من المحاولات في مرحلة تشكيل القوائم، وعدد آخر حال الانتهاء من تشكيلها بحمل واحد أو أكثر من أعضائها على الانسحاب بطرق مباشرة وأخرى ملتوية، ثم تم الإسقاط الإداري دون مبرر قانوني لأغلب القائمات التي صمدت أمام كل الصعوبات، بحيث لم يبق في الحلبة إلا عدد محدود من القائمات التي يصح القول عنها أنها تقدمت من منطلق المنافسة الحقيقية لقائمات الحزب الحاكم. وعلى ذكر العراقيل يجدر التنبيه إلى أن انتخابات 2005 كانت شهدت إسقاط جميع القائمات (وعددها حوالي العشرة على ما أظن) التي تقدمت بعد تخطي صعوبات مماثلة في إطار تحالف ضم آنذاك أعضاء من حركة التجديد وأصدقاءهم في المبادرة الديمقراطية إلى جانب أعضاء من التكتل الديمقراطي من أجل العمل والحريات ومن الحزب الديمقراطي التقدمي...
دعمكم للمبادرات المواطنية الرامية إلى تقديم قائمات مستقلة لماذا لم يكن في شكل ائتلاف مثل "المبادرة الوطنية" التي تقدمت في التشريعية؟ ألا تعتقدون أن مثل هذه المبادرة كانت تكون أنجع في الانتخابات البلدية؟
لقد سبق أن شرحت لك المعنى السياسي للإحجام عن المشاركة تحت راية حزبية أو ائتلافية واختيار مساندة المبادرات المحلية التي تقع في إطار قائمات مواطنية مستقلة... ومن الواضح أنه هنالك اختلافا كبيرا بين الانتخابات البلدية والانتخابات التشريعية تكمن خاصة في كون الأولى رهاناتها محلية والثانية لها بعد وطني وطابع سياسي يهم الاختيارات الكبرى في مختلف المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية الشاملة... وفي اعتقادي أنه كان في الإمكان استخلاص الدروس من تجارب الانتخابات السابقة والانطلاق من خصوصيات التسيير البلدي المحلي لجعل هذه الانتخابات مناسبة للبدء في مراجعة التعاطي الرسمي مع الانتخابات وكامل المنظومة الانتخابية اللاديمقراطية التي تجسده، الأمر الذي كان من شأنه لو توفرت الإرادة السياسية أن يكون وسيلة ناجعة حقا لضمان المشاركة الواسعة للمواطنين في الشأن العام، وهو هدف وطني أهم وأسمى في رأيي من تناول مسألة "النجاعة" من الزاوية الحزبية الضيقة والعقلية الشمولية التي تكرس الركود وتعطيل التطور السياسي الحقيقي.
بماذا تفسر تمكن بعض أحزاب المعارضة من تقديم مجموعة محترمة من القائمات في حين تعجز بعض الأحزاب الأخرى عن تقديم أكثر من 14 قائمة؟
أولا يجدرُ التأكيد بأن الانتماء إلى المعارضة يفترض حدا أدنى من الاستقلالية إزاء السلطة سواء في تشكل هذا الحزب أو ذاك أو في تقرير التوجه السياسي واتخاذ المواقف من مختلف القضايا، كما تفترض حدا أدنى من التمايز في الاختيارات الكبرى وحدا أدنى من الجدية والمصداقية في التعبير بجرأة ومسؤولية عن مشاغل المواطنين وطموحاتهم. والمتابعون للحياة السياسية يعرفون مدى قرب أو بعد الأحزاب المتواجدة على الساحة من هذه المبادئ الأساسية .
في البلدان التي فيها حياة سياسية متطورة وتعددية غير شكلية تعامل الأحزاب على قدم المساواة وتلتزم الإدارة بالحياد بين المتنافسين وليس ثمة امتياز خاص للأحزاب الحاكمة ولا للأحزاب التي تدور في فلك السلطة. لكن في ربوعنا فالغالب هو سياسة الكيل بمكيالين التي تمنح التسهيلات لزيد وتزرع العراقيل أمام عمرو.
وكما سبق أن قلت نحن في حركة التجديد وكذلك الأطراف التي تقاسمنا التوجه المعارض الجدي اخترنا دعم المبادرات المحلية التي تتم على أساس ديمقراطي مستقل، والقائمات المستقلة التي بقيت في بعض المدن رغم كل ما بينت لك من صعوبات هي قائمات متنوعة في ألوانها وفي أسمائها وشعاراتها... هذا يعني أن حركتنا والأطراف المنظمة المتحالفة ليست داخلة في أي تسابق مع الأحزاب التي أشرت إليها، لأن مثل هذه "المزاحمة" لا معنى لها ولا فائدة ترجى منها في ظل المشهد السياسي الذي تصر السلطة على رسم خارطته بعيدا عن واقع الاتجاهات الحاضرة فعلا في المجتمع وحقيقة وزنها وإشعاعها.
لذلك لا أود التطرق إلى هذا النوع من السباق ولا الدخول في "تفسيرات" أو في مقارنات قد قامت بها عديد الصحف السيارة التي أطنبت في الحديث عن "المركاتو" وعن ظواهر "الترحال" أو "التسليف" من حزب إلى آخر... كما لا حاجة لي إلى لفت النظر أن "الصدف" قد جعلت الترتيب النهائي يبقى كما كان في الانتخابات السابقة بل كما صيغ حتى قبل الانتخابات، كما أن نفس "الصدف" يبدو أنها قد شاءت أن يكون التوزيع الجغرافي لتواجد القائمات على شاكلة معينة خاضعة لبرمجة دقيقة تجعل ولاية مثل ولاية المنستير محرمة على الجميع وليس فقط على قائمات "المواطنة" المستقلة، الخ...
هل يعني هذا أنّ خيار المقاطعة الذي دعا إليه حزب معارض كان الخيار الأفضل؟
إذا كنت تعني بكلمة "أفضل" أمرا أقل "متاعب" فهذا صحيح لأن المشاركة في ظروف الانغلاق السائدة– ولو في شكل "مواطني" ذي بعد محلي بحت – تصطدم بشتى العراقيل وتتطلب قدرا كبيرا من الشجاعة التي تستحق كل تقدير، لكنها تبقى الشكل الأنسب للصراع من أجل حلحلة الركود والدفاع عن حق المواطنين في الاختيار الحر في إطار انتخابات ذات مصداقية. أقول هذا وأنا واع تمام الوعي بأن استمرار هذه الأوضاع مليء بمخاطر اليأس الكامل من كل تطور وقد تكون له انعكاسات هدامة إذا لم يقع تداركه قبل الاستحقاقات السياسية القادمة...
لماذا تبقى أحزاب المعارضة التي تقول عن نفسها أنّها الجدية عاجزة عن منافسة الحزب الحاكم خاصة في الدوائر البلدية ذات الثقل؟
السؤال الصحيح هو: إلى متى سيتواصل التعاطي مع الانتخابات بهذه المنظومة وبهذه الرؤية الانغلاقية التي تحول دون وجود الحد الأدنى من ظروف المنافسة؟ فالمسألة إذن مسألة تعجيز أكثر منها مسألة "عجز" وهي مع الأسف لا تقتصر على "الدوائر البلدية ذات الثقل" بل هي ظاهرة شاملة أو تكاد، ظاهرة مضرة بالبلاد قبل أن تكون مضرة للأحزاب وليس من الحكمة في شيء أن يقع النظر إليها بارتياح من طرف السلطة وحزبها. وبطبيعة الحال هذا لا يجب أن يحجب عنا مواطن الضعف الحقيقية وحتى مظاهر العجز لدى أحزاب المعارضة الجدية التي عليها أن تحسن أداءها كلا من جانبه، كما عليها أن تتجاوز انقساماتها وتبني معا حركة ديمقراطية وتقدمية موحدة قادر على تجميع الشرائح الواسعة من الشعب في المعركة من أجل إنجاز المنعرج الديمقراطي.
ما هو رأيكم في عمل واستقلالية المرصد الوطني للانتخابات البلدية هيكلا لا أشخاصا؟
المرصد اسم مكان من فعل "رصد" الذي يختلف عن فعل "أشرف"... وهو بالتالي محكوم في أدائه بحدود مهمة "الرصد" أي حدود الصلاحيات المتاحة له، علاوة على الحدود الأخرى المرتبطة بتعيين أعضائه تعيينا أحاديا لم يأخذ بعين الاعتبار حقيقة وتنوع الحساسيات الموجودة في الرأي العام ، الأمر الذي لا يجعله كهيكل يتمتع بالقدر الكافي من الاستقلالية إزاء السلطة... لكن ذلك لا يمنع أعضاءه من القيام بمجهودات إيجابية لحل بعض الاشكاليات، رغم الطابع الثانوي لتلك الإشكاليات. أما المعضلات الحقيقية التي تعاني منها الانتخابات فلا يمكن معالجتها إلا بإعادة النظر جذريا في كامل المنظومة، خاصة بجعل الانتخابات تحت إشراف هيئة محايدة يطمئن الجميع إلى موضوعيتها.
كيف تقرؤون المستقبل السياسي لتونس بعد الانتخابات البلدية وفي الفترة القادمة؟
أمام ما جرى من تفويت لفرصة الانتخابات الرئاسية والتشريعية ثم فرصة الانتخابات البلدية الحالية للدخول في مسار جديد، وفي ظل الأوضاع الراهنة التي يغلب عليها الانغلاق وسد السبل أمام وجود إطار سياسي تعددي وغياب إرادة واضحة للإصلاح السياسي، فإن الصورة التي عليها المستقبل السياسي لتونس موضوع انشغال عميق، خاصة بالنظر إلى خصوصيات المرحلة التي تفصلنا عن الاستحقاق الرئاسي لسنة 2014 وما تطرحه الأحكام الدستورية المعروفة من إشكاليات تتعدد حولها التساؤلات وتتكاثر الإشاعات ويسود في علاقة بها جو من الانتظارية والحيرة على مستقبل البلاد وحظوظ تطورها نحو الأفضل في كنف الاستقرار المبني على التكريس الفعلي لمبادئ وقيم النظام الجمهوري. هذا الوضع لم يعد يحتمل مزيد إرجاء الإصلاح السياسي العميق الذي طالما وعد بإنجازه ولم ينجز...
لذلك توجهت حركة التجديد في 20 مارس الماضي بنداء إلى حوار وطني حر ومسؤول يمكن من التوافق على حل مؤسساتي لمسألة التداول على السلطة وعلى الإصلاحات الجوهرية الكفيلة بتحقيق الانتقال الفعلي إلى نظام ديمقراطي.
وأملي أن تتخذ في أقرب وقت إجراءات جريئة من شأنها خلق المناخ المتفتح الملائم لقيام مثل هذا الحوار خدمة لتونس وضمانا لمستقبلها.