
عقلية "آشكون شاورتو"؟
في أواخر سنة 2007 خضت والزّميلين سميرة الخياري كشو وفاضل الطياشي معركة المطالبة بالحصول على حقوقنا المادية من صحيفة أخبار الجمهورية حيث كنا نعمل آنذاك. وتسبب لنا ذلك في عدة تضييقات وهرسلة ومعاملة لا إنسانية من قبل مدير المؤسّسة، الذي عرف بدفاعه عن الحقوق والحرّيات والمبادئ والقيم الإنسانية في كتاباته؟
أمام تلك الممارسات لجأنا إلى جمعية الصّحافيين التونسيّين لتقف إلى جانبنا وتساندنا، من أجل تحقيق مطالبنا ووضع حدّ لتلك الممارسات. فقيل لنا وقتها من قبل بعض أعضاء الجمعية "آشكون شاورتو" وتحملوا مسؤولياتكم؟
وتطورت الأمور آنذاك، حيث وقع طردي تعسفيا يوم 17 أوت 2007 وقرّرت الدّخول في اعتصام احتجاجي. عندها هب بعض أعضاء جمعية الصّحافيين وطلبوا منّي تأجيل الإعتصام، على أساس أنّ الموضوع وصل إلى الجهات العليا في البلاد، وأنّ المشكل سيقع حلّه. وطلبوا منّي تحرير تقرير مفصّل عن المشكل لرفعه إلى الجهات العليا التي ستقوم بما يلزم
نزلت عند رغبة بعض أعضاء الجمعية باعتبارهم زملائي قبل كلّ شيء وأنا أثق في زملائي دون استثناء، غير أن شيئا لم يتحقّق من تلك الوعود، وأنا لا أحمّل المسؤولية للزّملاء أعضاء الجمعية بل لمن طلب منهم التدخّل من أجل إيقاف الإعتصام لا أكثر ولا أقل، دون أن يهمهم أمري إن جعت أو تشرّدت أو ضاعت عائلتي؟ المهم بالنّسبة إليهم ألاّ يقضّ مضجعهم أيّ مشكل؟
وضاع الوعد بإدماجي في مؤسّسة إعلامية أخرى، بل حين التحقت بصحيفة الطّريق الجديد التي تصدرها حركة التجديد وهي حزب معارض، هناك من اتصل بي ولامني على ذلك واعتبر أنّي قمت بخطوة غير محسوبة، أي كأنّي قمت بجريمة ضدّ بلادي، الّتي يبدو أنّ المعارضين فيها يعدّن من المعادين لها؟
ما جرّني إلى إيراد هذه المقدّمة الطويلة، هو ما حصل في الجلسة العامّة للنقابة الوطنية للصحافيين التونسيين التي عقدت يوم 23 جانفي 2009 حيث ارتفعت بعض الأصوات الدّاعية إلى مطالبة الصحفيين والتقنيين المعتصمي في مؤسّستي الإذاعة والتّلفزة التّونسية، بعد أن يئسوا من الوعود بتسوية وضعياتهم، بفك الإعتصام
وإن كان المبدأ الذي لا نختلف فيه هو أنّ الحوار ضروري لحلّ المشاكل، فقد نسي البعض أنّ فكّ الإعتصام دون ضمانات قد يؤدّي إلى ضياع نهائي لحقوق المعتصمين الّذين ينتظر بعضهم تسوية وضعياتهم منذ سنوات طويلة؟ فالأجور المتواضعة جدّا التي يتحصّلون عليها، لا يتمكّنون من قبضها إلاّ بعد عامين أو ثلاثة أحيانا؟ فمن يضمن أنهم وبعد فك الإعتصام لا يكونون عرضة إلى الضّياع الكامل؟
ما أردت قوله هنا هو أنّ الرّأي القائل بضرورة فك الإعتصام مؤقتا وإن كان محترما فإنّ عواقبه قد تحطّم مستقبل المعتصمين، خصوصا أنّ الوعود التي قطعتها سلطة الإشراف سابقا لم تتحقق رغم مرور مدّة طويلة. ويبدو أنّ البعض نسي أنّ المعتصمين ملّوا من تردّي أوضاعهم الإجتماعية، حيث يعجز بعضهم عن توفير الحليب والدّواء لأسرته؟
وهنا أفتح قوسا لأشير أن مجموعة من المعتصمين حاليا سبق أن خاضوا اعتصاما رمزيّا ولمدّة ساعتين فقط بمقر نقابة الصّحافيين في السّنة الماضية، فارتفعت بعض الأصوات تتّهم بعض أعضاء المكتب التنفيذي للنّقابة، بأخذ النقابة إلى الهاوية؟؟؟ لكن هذه المرّة ولأن المعتصمين لم يستشيروا أحدا عندما قرّروا خوض اعتصامهم، وحيث لم تكن هناك ورقة يمكن استغلالها للهجوم على النقابة، واتهامها بالتلاعب بمصالح الصّحافيين، دعوا إلى فك الإعتصام، كي لا ينظر إلى الأمر على أنه ليّ العصى في وجه الإدارة؟ وأنّ ذلك قد يؤدّي إلى عدم تسوية الوضعيات؟ وهنا نقول لو كانت هناك نية للتّسوية، فلماذا لم تتم إلى الآن؟ وماذا كان ينتظر المسؤولون من أناس ملّوا من الفقر والحرمان ولم تعد لهم طاقة لتحمّل المعاناة؟ وما نرجوه هو أن يتخلى البعض عن لغة هذه خطوة غير محسوبة؟ أو هذا تحرّك تقف وراءه أطراف معروفة؟ أو منطق "آشكون شاورتو"؟ ويصوّرون الإدارة في صورة الملاك البريء الذي لا حول ولا قوّة له، دون توجيه ولو عتاب خفيف لها؟
وهنا نسأل: من يترك شبّانا وخاصّة شابّات دون أجور لمدّة سنتين وأكثر، هل هو إنسان يمكن الوثوق فيه، أو انتظار الحصول على حلول على يديه؟؟؟هذا المسؤول هل كان يقبل مثل هذه الوضعية لابنه أو ابنته؟؟؟ألم يفكّر هذا المسؤول ماذا يمكن أن ينجرّ عن ترك شاب أو شابة دون أجر من عواقب وخيمة وخطيرة؟؟؟ هل ننتظر من هذا المسؤول أن يقوم بتسوية وضعيات المعتصمين بعد كلّ هذا؟؟؟
قد تكون نيّة الزّملاء الذين طالبوا بفكّ الإعتصام طيبة، لكن من يضمن الأطراف الأخرى الّتي بيدها الحل والرّبط؟
لقد صدّقت أنا من قبل النّوايا الطّيّبة للزّملاء، لكن ماذا جنيت؟ لا شيء؟؟؟؟؟
إنّ عدم وجود ضمانات جعل الجلسة العامّة تقرّر المصادقة على اللائحة العامة بعد إدخال تعديلات طفيفة عليها، والّتي من بين ما جاء فيها المساندة المطلقة للمعتصمين، مع تشكيل وفد تحوّل بعد انتهاء أشغال الجلسة العامّة إلى مقر مؤسّسة الإذاعة والتلفزة التونسية، بقيادة بعض أعضاء المكتب التّنفيذي الّذين سمح لهم بالدّخول إلى المؤسّسة واللقاء مع المعتصمين وإبلاغهم مساندة زملائهم لتحرّكهم. كما قرّرت الجلسة العامّة تكليف المكتب التنفيذي للنّقابة برفع الأمر إلى رئاسة الجمهورية. وهذا القرار يدلّ على أنّ الصّحافيين لم تعد لهم ثقة في قيام الإدارة بإيجاد الحلول الجدّية لتسوية الوضعيات بمؤسّستي الإذاعة والتّلفزة