samedi 21 février 2009

صبّار سامي الفهري في العلالي

الجديد على قناة تونس 7

" صّبّار سامي الفهري " في العلالي !

فتحي الهمّامي

بعد أن أثار ضجة إعلاميّة في شهر رمضان الفارط بسبب المعاملة المتميّزة التي خصّ بها مسلسله التلفزيوني " مكتوب " على قناة تونس 7 الفضائية وبعد حصة الألعاب المثيرة " دليلك ملك " القادمة من وراء البحار بصناديقها الملّيونيّة العجيبة . ها هو المنتج الشاب سامي الفهري تلتفت إليه الأنظار مرّة أخرى بعد أن أضحى هذه الأيام ظاهرة إعلاميّّة قائمة بذاتها بما أنه يؤثث بإنتاجه الخاص الوفير مختلف برامج تلفزتنا الوطنيّة و قد اختيرت أفضل الأوقات لبث أعماله المتنوعة وتكثّّفت أيضا الحملات الإشهاريّة الّتي تعرّف بها.

و قبل أن نأتي إلى ما يقدمه هذا الإعلامي من إنتاج و نحاول رصد بعض ملامحه و مضامينه لكن بدون الغوص في أبعاده الفنيّة التي يتولاها أهل الإختصاص . هناك أسئلة هامّة تفرض نفسها على ضوء تزايد حجم نشاط و نفوذ شركة إنتاجه الخاصة " كاكتيس " داخل أروقة التلفزيون . فهل يؤشر إرتفاع نسبة مساهمة الخواص في الإنتاج التلفزي إلى تحول ما في إدارة هذا القطاع ؟ و هل ينتهي بهذا المسار إلى التفويت في مؤسسة قناة تونس 7 في قادم الأيام و يفرط فيها للقطاع الخاص و من ثمة تتحول إلى شركة تلفزيونيّة خاصة أسوة بزميلاتها في الميادين الإقتصاديّة الأخرى ؟

ثم ما هذه الحظوة التي تتمتع بها علبة الإنتاج " كاكتيس " دون باقي العلب؟

خوصصة تحت الرقابة الصارمة للسيّاسة

الجواب بنعم بديهي فيما يخص رؤية السلطة لدور القطاع العمومي فإذا ما تمعّنا في توجه و جوهر سيإستها نرى أن اختياراتها تقوم على حرية المبادرة في القطاعات التنافسيّة و تخلـّي الدولة عن دورها كفاعل منتج بتلك القطاعات. و قد عملت الحكومة بهذا الخيار منذ سنوات طويلة منتهجة مسار الخوصصة بكل أشكاله وبصفة متواصلة صفّي القطاع العمومي و تفتت كيانه .

أما قطاع إنتاج السمعيات و البصريات الذي اقتحمه أيضا الخواص منذ مدة و أصبح ينشط ببلادنا عدد من المحطات الإذاعيّة و التلفزيونيّة الحرّة إلى جانب عدد من شركات الإنتاج الخاصة فصار منطق التفويت فارضا نفسه لأنه يتناسب مع خيار إقتصاد السوق و مع التوجهات الرسميّة للحكومة . المسألة هنا ليست بسيطة و لا تخضع فقط إلى المعايير الإقتصاديّة إذ أن حساسيّة قطاع الإعلام السمعي البصري و خطورة تأثيره على الذهنيّة العامّة تترك هذا الميدان عرضة لهيمنة التصورات السيّاسية السائدة وأحكامها وفي تنافس مع الخيارات الإقتصاديّة و أهدافها . فهذا النوع من الإعلام مجال حسّاس يدرّ منافع سياسية جمّة لفائدة السلطة إذ تستغلّه في تأطير و توجيه المجتمع و من خلاله يمارس أحد أشكال الهيمنة على شؤون البلاد وذلك عبر بثّ نوع واحد من الخطاب و من الدعاية مع العمل الدؤوب على طمس الرأي الآخر، وبالتالي ترىالحكم عندنا ينفرد بقطاع الإعلام العمومي إذاعة و تلفزة و ذلك بإحتكار دفة تسييره عن طريق تعيين القائمين عليه و فرض لونه السياسيّ الواحد على توجهاته رغم تحوله إلى مؤسسات ذات إستقلاليّة معنويّة وماليّة وينسحب هذا التشدّد و سياسة القبضة الحديدية على الجانب الإقتصادي أيضا ففتح الباب على مصراعيه أمام المناولة و التفويت لها في نشاط هام ألا وهو الإنتاج - و هذا ما يفسر بالطبع إرتفاع أسهم المؤسسة الخاصة " كاكتيس " في بورصة قناة تونس 7 - يتم عبر إحترام شرط وحيد ألا و هو إعلاء راية الإنضباط السياسي أو على الأقل ترك السيّاسة و شأنها لبعض الموظفين من منتجي البرامج الدعائيّة .

أما بالنسبة للقنوات الإذاعية و التلفزيّة الحرّة و التي أسندت لها رخص البث دون أخرى فالمعيار السياسي

و الموالاة كانا مضمّنان في كراس الشروط الإفتراضي !

الصّبّار النبتة المزدهرة في تلفزتنا

و بالرجوع إلى هذا الإنتاج التلفزي المتنوع لصاحبه سامي الفهري و الذي يشمل أربع برامج بالتمام و الكمال إكتسحت مرة واحدة قناة تونس 7 الفضائيّة و كأنها البلسم الذي سيداوي تلفزتنا من أمراضها . فإن المشاهد الذي يموّل خزينة القناة يريد أن يفهم هل فضّلت و ميّزت إدارة التلفزة هذا المنتج عن باقي المنتجين ؟ و هل تميّز بجودة عمله مقارنة بغيره بعد فرز و تقييم جميع الأعمال ؟ و هل تقدمت مؤسسة التلفزيون بطلب عروض في برامج بعينها فتح فيها باب التنافس للجميع ؟ ربما يجيب أحدهم أن شركة " كاكتيس " لصاحبها سامي الفهري أو نائبها في تونس قد تغلّبت على غيرها بفضل دسامة و كثرة أشواك هذه النبتة و لمن يريد أن يعلم فرمز علبة الإنتاج هذه هو الصّبّار ذلك النبات الأخضر الذي يعطي التمر الهنديّ و ربما يكون صاحبنا قد إكتشف بالفعل سرّ تفوق " كاكتيس " و سرّ غياب منافسيها !

بكائيّات و هزليّات و بعض الجديّات

أما عن الإعمال نفسها التي تقدم أيام الثلاثاء و الإربعاء و الخميس و الأحد و تبث في ذروة المشاهدة فنستطيع القول بأن إثنين منهما على الأقل أستنسخا من القناة الأولى الفرنسيّة و غيّرت فقط العناوين إلى اللهجة التونسيّة و هما " الحق معاك " و" عندي ما نقلك " إذا لا خلق و لا إبداع فيهما و لكنهما على الأقل أفضلا حال من الآخرين بما أنهما إستطاعا أن يستقطبا بعض جمهور المشاهدين .

و قد إمتزجت الجديّات بالبكائيات في هاذين البرنامجين فالحق معاك يتدخل لفائدة من وقع التعدي على حقوقه و يسعى البرنامج لتسويّة الإشكال مع الخصم بالتّراضي و بالحسنى و رغم مجهودات مقدّمه و مساعديه من القانونيين فإن الإنضباط السياسي الواجب إتباعه يفرض الصمت و غياب التعليق في ما يبيّنه البرنامج من تجاوزات خطيرة في حق القانون و من عدم إلتزام بالأحكام القضائيّة و من بيروقراطيّة متفشيّة في الإدارات . في حين يفتح " عندي ما نقلك " بستاره الأبيض غير الشفاف ذراعيه لمن يريد أن يبوح بسرّ أو يرغب في قول شيء و قد طرحت من خلال البرنامج حكايات مثيرة لشدّ نوع من الجمهور و إستعطاف دموعه ولكن ثمّة حالات قدمها علاء الشابي نرى صراحة أنها بحاجة إلى زيارة عيادة نفسية عوض الظهور أمام الكا ميرا .

أما "أحنا هكة " و " سفيان شاو " و اللذان يطرقان باب الهزليّات فالمستوى ضعيف من ناحية المضمون

إذ أن الأول تميّز بأسئلته الهزيلة و المتواضعة في حين أن الثاني برز بتلاعبه الفجّ بعفويّة الأطفال عند تقمّصهم لشخصيات كبار الفنانين عوض إستنهاض ملكاتهم و قدراتهم . و حتى يتم تسويق هذه النوعيّة من الإنتاج التلفزي يستنجد المنتج بالمشاهير من الفنانين و اللاعبين لإضفاء نوع من المواقف الهزليّة المرتجلة و لكن في النهاية لا يرتقي الأول إلى مستوى البرنامج الثقافي الخفيف أما الثاني فلا نظنه في مستوى ما قدّمه و يقدّمه المختص " عمو رضوان " في مختلف عروضه.

على كل أحدثت " إنتاجات " سامي الفهري بعض الحركيّة في حياة تلفزتنا الوطنيّة و أخرجتها من بعض رتابتها و ربحت من خلاله بعض الجمهور و ربما عائدات أعلى من الإشهار التلفزي . و لكن هل هذه التلفزة التي نبتغي ؟

قناة و طنيّة لكل التونسيين

لكل قناة عموميّة في أي بلاد في العالم توجهات و طنيّة و ديمقراطيّة تجسّدها في خطها الإعلامي و في مختلف برامجها و يعمل أبناء الدار من منتجين و صحافيين و فنيين على تجسيمها وذلك بإطلاق طاقاتهم الإبداعيّة الخلاقة و تشجيعهم على البذل و العطاء كما تعطى للمضامين القيّمة و للمنتوج الثقافيّ الجاد الأولويّة و الأسبقيّة و يسيطر أيضا إنتاج أبناء القناة على أغلب ما يقدم حتى تحافظ على عموميتها

وإستقلاليتها من تدخل أصحاب النفوذ المالي و السلطوي. أما التوازنات الماليّة للمؤسسة فلها أهميتها ولكن المردود الإعلامي يمر قبل المردود المادي فأين قناة تونس 7 من كل هذا و التي ينحسر كل يوم تأثيرها و تتراجع يوميا عموميتها و يتفاقم تكلسها و تخشبها بل و يخوض أعوانها الإضرابات و الإعتصامات من أجل رغيف الخبز في حين تتمتع" كاكتيس "بالزبدة وبنقود الزبدة المنتزعة من جيوب المواطنين.

الطّريق الجديد العدد 116 - 21 /02 /2009

Aucun commentaire: