هذا المقال للصحفي الإسرائيلي غدعون ليفي نشر بصحيفة هآرتس الإسرائيلية ربما لم نستطع نحن كعرب أن نكتب مثله
"لم يعد طيارونا بسلام"..
غدعون ليفي/ هآرتس
31 /12/2008
خيرة أبنائنا، الجيد ين الذين خلقوا للطيران، يغيرون الآن على غزة. شباب جيدون من بيوت طيبة ينفذون أعمالا سيئة. معظمهم متحدّثون لبقون متناسقون واثقون بأنفسهم، بل إنهم يرون إلى أنفسهم مبدئيين، ولقد خرج العشرات منهم في يوم السبت الأسود لقصف أهداف من "بنك الأهداف" في غزة.لقد خرجوا من أجل قصف طابور التخرج لشباب وجدوا في سلك الشرطة لقمة خبزهم، فذبحوهم بالعشرات: كما قصفوا مسجدا وقتلوا بذلك خمس بنات شقيقات، من عائلة بعلوشة، حيث أن الصغيرة لم تتجاوز السنين الأربع، وقصفوا مركزا للشرطة فأصابوا طبيبة جارة تتمدّد الآن كما النبتة في مستشفى الشفاء الذي يتفجر جثثا وإصابات: وقصفوا جامعة، نسمّيها نحن "رفائيل الفلسطينية" (مكان لتصنيع وإنتاج الأسلحة)، ودمروا بيوتا للطلبة، لقد ألقوا بمئات القذائف من سماء زرقاء ونظيفة من المقاومة.قتلوا في خلال أربعة أيام 375 إنسانا. لم يميزوا ولم يستطيعوا أن يميزوا بين عنصر من حماس وبين بنت صغيرة، بين شرطي مرور وبين مطلق قسام، بين مخزن سلاح وبين عيادة، بين طابق أول وطابق ثان في بناية مأهولة بكثافة بعشرات الأطفال.حيث تصل نسبة القتلى، بحسب التقارير، من المدنيين الأبرياء إلى النصف. كان يجب ألا نعتمد على دقة الطيارين، حيث أن غير ذلك لم يكن ممكنا عندما يكون السلاح طائرة والهدف هو منطقة سكنية مأهولة بكثافة. طيارونا الممتازون هم الآن أبطال على الضعفاء: بدون سلاح جو مقابلهم، بدون أية مقاومة ضدهم، يقصفون ويقصفون دونما عائق، كما في طلعات التدريب. من الصعب معرفة ما يدور بخلدهم، وماذا يحدث لضمائرهم. ومن المشكوك فيه أن يكون الأمر عمليا. فهم يقاسون بأعمالهم. على أية حال، فإن الصورة من ارتفاع آلاف الأقدام تبدو عادية مثل حبر رورشاخ: تصويب إلى الهدف، ضغط على الزر، و"هوب"، غيمة سوداء تتصاعد. "إصابة جيدة أخرى للهدف". لا يرى أي منهم نتيجة أعماله، لا قبل ولا بعد، على مستوى الأعين، فقط يرون إليها من علياء الطائرة. وهم مشبعون حتما بقصص الرعب عن غزة – لم يزوروها أبدا – كأنما لا يقطنها مليون ونصف إنسان يبغي معظمهم العيش بكرامة الحدّ الأدنى. غزة التي يقطنها شباب مثلهم، بأحلام إنسانية مثل أحلامهم، للتعلّم، والعمل، وإنشاء عائلة، لكنهم لا يملكون أية إمكانية لتحقيق ذلك، مع أو بدون القصف. هل يفكرون بهم، بأبناء اللاجئين الذين طرد آباؤهم وآباء آبائهم ولو مرة واحدة في حياتهم؟ هل يفكرون بآلاف الجرحى الذين يبقونهم معاقين لبقية حياتهم في منطقة لا يوجد فيها حتى مستشفى واحد لائق، أو مركز واحد لمعالجة الإعاقات؟ هل يفكرون بما يثيرونه من البغضاء الشديدة، ليس في غزة لوحدها، بل في أنحاء العالم الأخرى، إزاء الصور البشعة؟ ليس الطيارون هم من قرروا هذه الحرب، لكنهم هم مقاولو تنفيذها. يجب أن يجري الحساب الحقيقي مع متخذي القرارات، لكنهم شركاء لهم. سيحصلون على التقدير والتكريم والتبجيل كما هو متبع لدينا أن الجيدين للطيران، لدى عودتهم. ويبدو أن أحدا لن يحاول أن يثير بهم عذابات ضمير، بل بالعكس، فإنهم الأبطال الحقيقيون لهذه الحرب الملعونة. يسبغ الناطق بلسان الجيش كل مساء آيات التبجيل لهم على "العمل الرائع" الذي يقومون به، متجاهلا، بالطبع، الصور الآتية من غزة. إنهم على أية حال ليسوا أفراد حرس الحدود القاسين الذين ينكلون بالعرب في أزقة نابلس والقصبة في الخليل، أو مستعربين بقلوب قاسية يقتلون من على مسافة صفر بدم بارد. هم كما قلنا خيرة أبنائنا. ربما لو أنهم واجهوا نتائج "أعمالهم الرائعة"، ولو مرة واحدة، لكانوا عادوا إلى وعيهم، ولكانوا أعادوا النظر فيما ارتكبت أياديهم. لو أنهم ذهبوا ولو مرة واحدة إلى مستشفى ألين في القدس، حيث تعالج هناك الطفلة ماريا أمن منذ نحو ثلاثة أعوام، مشلولة في جميع أنحاء جسمها، تحرك كرسيها وحياتها عن طريق ذقنها فقط، لكانوا ذهلوا وأصابتهم صدمة شديدة. لقد أصيبت ماريا الساحرة من صاروخ في غزة قتل كل عائلتها تقريبا، من جني أياديهم. لكن كل هذا يتم إخفاؤه عن عيون الطيارين. هم فقط ينفذون المهمة، كما يقولون، فقط ينفذون الأوامر كما آلة القصف. وهم يبالغون لتنفيذ هذا في الآونة الأخيرة فيما يرى العالم النتائج: فغزة تلعق جراحها، تماما مثل لبنان من قبلها، ولا أحد يتوقّف ليسأل ما إذا كان هنالك لزوم لذلك؟ وهل الأمر يسهم في تحسين أمن إسرائيل وصورتها الأخلاقية؟ هل حقا يعود طيارونا بسلام إلى قواعدهم، أو أنهم ربما يعودون إليها كأشخاص مغلقين، عميانا وغليظي قلوب؟
31 /12/2008
خيرة أبنائنا، الجيد ين الذين خلقوا للطيران، يغيرون الآن على غزة. شباب جيدون من بيوت طيبة ينفذون أعمالا سيئة. معظمهم متحدّثون لبقون متناسقون واثقون بأنفسهم، بل إنهم يرون إلى أنفسهم مبدئيين، ولقد خرج العشرات منهم في يوم السبت الأسود لقصف أهداف من "بنك الأهداف" في غزة.لقد خرجوا من أجل قصف طابور التخرج لشباب وجدوا في سلك الشرطة لقمة خبزهم، فذبحوهم بالعشرات: كما قصفوا مسجدا وقتلوا بذلك خمس بنات شقيقات، من عائلة بعلوشة، حيث أن الصغيرة لم تتجاوز السنين الأربع، وقصفوا مركزا للشرطة فأصابوا طبيبة جارة تتمدّد الآن كما النبتة في مستشفى الشفاء الذي يتفجر جثثا وإصابات: وقصفوا جامعة، نسمّيها نحن "رفائيل الفلسطينية" (مكان لتصنيع وإنتاج الأسلحة)، ودمروا بيوتا للطلبة، لقد ألقوا بمئات القذائف من سماء زرقاء ونظيفة من المقاومة.قتلوا في خلال أربعة أيام 375 إنسانا. لم يميزوا ولم يستطيعوا أن يميزوا بين عنصر من حماس وبين بنت صغيرة، بين شرطي مرور وبين مطلق قسام، بين مخزن سلاح وبين عيادة، بين طابق أول وطابق ثان في بناية مأهولة بكثافة بعشرات الأطفال.حيث تصل نسبة القتلى، بحسب التقارير، من المدنيين الأبرياء إلى النصف. كان يجب ألا نعتمد على دقة الطيارين، حيث أن غير ذلك لم يكن ممكنا عندما يكون السلاح طائرة والهدف هو منطقة سكنية مأهولة بكثافة. طيارونا الممتازون هم الآن أبطال على الضعفاء: بدون سلاح جو مقابلهم، بدون أية مقاومة ضدهم، يقصفون ويقصفون دونما عائق، كما في طلعات التدريب. من الصعب معرفة ما يدور بخلدهم، وماذا يحدث لضمائرهم. ومن المشكوك فيه أن يكون الأمر عمليا. فهم يقاسون بأعمالهم. على أية حال، فإن الصورة من ارتفاع آلاف الأقدام تبدو عادية مثل حبر رورشاخ: تصويب إلى الهدف، ضغط على الزر، و"هوب"، غيمة سوداء تتصاعد. "إصابة جيدة أخرى للهدف". لا يرى أي منهم نتيجة أعماله، لا قبل ولا بعد، على مستوى الأعين، فقط يرون إليها من علياء الطائرة. وهم مشبعون حتما بقصص الرعب عن غزة – لم يزوروها أبدا – كأنما لا يقطنها مليون ونصف إنسان يبغي معظمهم العيش بكرامة الحدّ الأدنى. غزة التي يقطنها شباب مثلهم، بأحلام إنسانية مثل أحلامهم، للتعلّم، والعمل، وإنشاء عائلة، لكنهم لا يملكون أية إمكانية لتحقيق ذلك، مع أو بدون القصف. هل يفكرون بهم، بأبناء اللاجئين الذين طرد آباؤهم وآباء آبائهم ولو مرة واحدة في حياتهم؟ هل يفكرون بآلاف الجرحى الذين يبقونهم معاقين لبقية حياتهم في منطقة لا يوجد فيها حتى مستشفى واحد لائق، أو مركز واحد لمعالجة الإعاقات؟ هل يفكرون بما يثيرونه من البغضاء الشديدة، ليس في غزة لوحدها، بل في أنحاء العالم الأخرى، إزاء الصور البشعة؟ ليس الطيارون هم من قرروا هذه الحرب، لكنهم هم مقاولو تنفيذها. يجب أن يجري الحساب الحقيقي مع متخذي القرارات، لكنهم شركاء لهم. سيحصلون على التقدير والتكريم والتبجيل كما هو متبع لدينا أن الجيدين للطيران، لدى عودتهم. ويبدو أن أحدا لن يحاول أن يثير بهم عذابات ضمير، بل بالعكس، فإنهم الأبطال الحقيقيون لهذه الحرب الملعونة. يسبغ الناطق بلسان الجيش كل مساء آيات التبجيل لهم على "العمل الرائع" الذي يقومون به، متجاهلا، بالطبع، الصور الآتية من غزة. إنهم على أية حال ليسوا أفراد حرس الحدود القاسين الذين ينكلون بالعرب في أزقة نابلس والقصبة في الخليل، أو مستعربين بقلوب قاسية يقتلون من على مسافة صفر بدم بارد. هم كما قلنا خيرة أبنائنا. ربما لو أنهم واجهوا نتائج "أعمالهم الرائعة"، ولو مرة واحدة، لكانوا عادوا إلى وعيهم، ولكانوا أعادوا النظر فيما ارتكبت أياديهم. لو أنهم ذهبوا ولو مرة واحدة إلى مستشفى ألين في القدس، حيث تعالج هناك الطفلة ماريا أمن منذ نحو ثلاثة أعوام، مشلولة في جميع أنحاء جسمها، تحرك كرسيها وحياتها عن طريق ذقنها فقط، لكانوا ذهلوا وأصابتهم صدمة شديدة. لقد أصيبت ماريا الساحرة من صاروخ في غزة قتل كل عائلتها تقريبا، من جني أياديهم. لكن كل هذا يتم إخفاؤه عن عيون الطيارين. هم فقط ينفذون المهمة، كما يقولون، فقط ينفذون الأوامر كما آلة القصف. وهم يبالغون لتنفيذ هذا في الآونة الأخيرة فيما يرى العالم النتائج: فغزة تلعق جراحها، تماما مثل لبنان من قبلها، ولا أحد يتوقّف ليسأل ما إذا كان هنالك لزوم لذلك؟ وهل الأمر يسهم في تحسين أمن إسرائيل وصورتها الأخلاقية؟ هل حقا يعود طيارونا بسلام إلى قواعدهم، أو أنهم ربما يعودون إليها كأشخاص مغلقين، عميانا وغليظي قلوب؟
Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire